محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

316

شرح حكمة الاشراق

أسفل ، ولهذا لا يتغيّران . فإنّ القائم لو صار منكوسا لا يصير ما يلي رأسه فوقا وما يلي رجله تحتا ، بل صار رأسه من تحت ورجله من فوق ، ويكون الفوق والتّحت بحالهما ، بخلاف الأربعة الباقية ، فإنّها وضعيّة . ألا ترى أنّ اليمين يصير يسارا وبالعكس ، وكذا القدّام والخلف ، ولا يصير الفوق أسفل ولا بالعكس . واختلاف الجهتين الطّبيعيّتين يحتاج إلى علّة توجب الاختلاف . فإنّه لو لم يختصّ إحداهما بأمر غير موجود للأخرى ، لم يكن طلب بعض الأجسام إحداهما أولى من الأخرى . ولا بدّ أن تكون تلك العلّة ذات وضع ، أي قابلة للإشارة الحسّيّة ، وإلّا لم يتناولها الإشارة ، وكانت نسبتها إلى الجهتين واحدة ، فلا تكون إحداهما بالعلو أولى من الأخرى ، وليست بعرض ، لعدم قيامه بذاته . فهو جوهر جسمانىّ ( 159 ) واحد ، لا من حيث إنّه واحد ، فإنّه من حيث هو واحد لا يحدّد إلّا ما قرب منه دون ما بعد عنه ، مع وجوب تحديده إيّاهما ، بل من حيث إنّ له محيطا ومركزا حتّى يحدّد ما قرب منه بمحيطه وما بعد عنه بمركزه الّذى يتحدّد بمحيطه أيضا . لأنّ المحيط يعيّن المركز ، والمركز لا يعيّن المحيط ، لجواز دوائر غير متناهية على مركز واحد ، وتحصل منه الجهتان الطّبيعيّتان ، وهو المطلوب . وإلى هذا أشار بقوله : ولا يحصل منه نفسه ، أي من المحدّد من حيث هو واحد ، جهتان مختلفتان ، بأن يكون بعضها جهة علو والبعض الآخر جهة سفل . فإنّه واحد متشابه متشابه ، الأجزاء المفروضة ، فلا أولويّة لبعض أجزائه بتعيّن جهة دون أخرى . وحينئذ ، لا يحصل من نفسه إلّا جهة واحدة وهي العلو ، وكلّ ما قرب منه فهو العالي . ولأنّ السّفل هو ما يكون في غاية البعد عن العلو ، فإذن لا يكون الأسفل إلّا في غاية البعد عنه ، وهو المركز . وهذا هو البرزخ المحيط . وهو جسم واحد بسيط مستدير ، محيط بجميع الأجسام ، إبداعىّ حصل دفعة من العقل المفارق ، لا أجزاء له [ بالفعل وإن كانت له أجزاء بالقوّة والفرض ، غير متشابهة مختلفة بالعلو والسّفل ] قبل تعيّن المركز . وأمّا بعد تعيّنه ، فلا شكّ في